الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

284

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المراد من الأمة القبيلة ، فيظن أن المراد كان الناس أهل نسب واحد ، لأن الأمة قد تطلق على من يجمعهم نسب متحد . والوحدة هنا : مراد بها الاتحاد والتماثل في الدين بقرينة تفريع فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إلخ ، فيحتمل أن يكون المراد كانوا أمة واحدة في الحق والهدى أي كان الناس على ملة واحدة من الحق والتوحيد ، وبهذا المعنى روى الطبري تفسيرها عن أبيّ بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر بن زيد وهو مختار الزمخشري قال الفخر : وهو مختار أكثر المحققين قال القفال : بدليل قوله تعالى بعده فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إلى قوله فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، لأن تفريع الخبر ببعثة النبيين على الجملة السابقة وتعليل البعث بقوله لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ انتظم من ذلك كلام من بليغ الإيجاز وهو أن الناس كانوا أمة واحدة فجاءتهم الرسل بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ليدوموا على الحق خشية انصرافهم عنه إذا ابتدأ الاختلاف يظهر وأيدهم اللّه بالكتب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، فلا جرم أن يكون مجيء الرسل لأجل إبطال اختلاف حدث ، وأن الاختلاف الذي يحتاج إلى بعثة الرسل هو الاختلاف الناشئ بعد الاتفاق على الحق كما يقتضيه التفريع على جملة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً بالفاء في قوله : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ وعلى صريح قوله : لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله أُمَّةً واحِدَةً ، لأن البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة ، وعلى هذا الفهم قرأ ابن مسعود ( كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث اللّه ) إلخ ، ولو كان المراد أنهم كانوا أمة واحدة في الضلال لصح تفريع البعثة على نفس هذا الكون بلا تقدير ولولا أن القرينة صرفت عن هذا لكان هو المتبادر ، ولهذا قال ابن عطية كان من قدّر الناس في الآية كانوا مؤمنين قدّر في الكلام فاختلفوا وكل من قدرهم كفارا كانت بعثة الرسل إليهم ا ه . ويؤيد هذا التقدير قوله في آية سورة يونس [ 19 ] وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا لأن الظاهر اتحاد غرض الآيتين ، ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة . والمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ، وأنها ما غشّاها إلّا تلقين الضلال وترويج الباطل وأن اللّه بعث النبيئين لإصلاح